الشيخ السبحاني

239

بحوث في الملل والنحل

صدره وظهره بالخيل ، ليقضي بذلك على جسم الإمام كلّه . لكنّه فاته أنّ شهداء طريق الحقّ ، أحياء عند ربّهم يرزقون ، أحياء بين الشعوب الحية ، وأنّه سوف ينقلب الأمر لصالح الإمام وضد العدو حتى في اليوم الذي قضى عليه وأنّه عليه السلام سيجعل من أعدائه الذين وجهوا إليه سيوفهم ورماحهم ، أنصاراً صامدين ، وثواراً مناضلين . روى المؤرخون : لما قتل الحسين وتسابق العسكر إلى نهب خيام آل الرسول ونهبوا ما فيها أولًا ، وأضرموا النار ثانياً وبنات الزهراء حواسر مسلبات ، باكيات فنظرت امرأة من آل بكر بن وائل ، كانت مع زوجها ، إلى بنات رسول اللَّه بهذا الحال فصاحت : يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول اللَّه لا حكم إلّا للَّه ، يا لثارات رسول اللَّه فردها زوجها إلى رحله « 1 » . كان ذلك الهتاف من ذلك الوقت ، نواة للثورة على العدو ، وإن لم يشعر به العدو ، واكتفى بجرها إلى رحله . كان الحسين فاتحاً في نهضته ، إذ لم يكن يتبنّى شيئاً سوى إيقاظ شعور الأُمّة بلزوم القضاء على دعاة الضلال ، وكسح أشواك الباطل ، عن طريق الشريعة ، وتعريف الملاء بالذين هم الأحق بالخلافة والقيادة . إنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام غذّوا الأُمّة بتحريضهم على عقد المحافل والمجالس لذكر حادثة الطف ، وما جرى على الحسين من مصائب تدك الجبال الرواسي ، وتذيب القلوب القاسية وقد اتخذوا أساليب مختلفة في إحياء حديث الطف بتشكيل أندية العزاء في بيوتهم تارة ، ودعوة الناس إليها ثانياً ، فقال الإمام الباقر عليه السلام « رحم اللَّه عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا » « 2 » فكان لتلك

--> ( 1 ) . ابن نما : مثير الأحزان : 4 ، ابن طاوس : اللهوف : 74 . ( 2 ) . المجلسي : البحار : 74 / 354 ح 31 .